المقريزي
112
المقفى الكبير
عن عقوبته ، ورسم عليه وجعله في قاعة بمفرده . وأخذ الأشرف يسعى في خلاصه ويبعث إلى طرنطاي وغيره إلى أن شفع فيه عند السلطان ، فأطلقه وأمر بصرفه . فلزم داره إلى أن خرج الركب إلى الحجاز في شوّال ، فسافر يريد الحجّ . فقدّر اللّه موت الملك المنصور وسلطنة الأشرف في ذي القعدة ، فقبض على طرنطاي ، وجعل يقول لمّا جيء إليه بأمواله : أين أنت [ 92 أ ] يا ابن السلعوس ؟ - وكتب إليه كتابا يخبره بما صار إليه من سلطنة مصر وكتب بخطّه بين الأسطر : يا شقير « 1 » ، يا وجه الخير ، عجّل السير ! فقد ملكنا . فوافاه الكتاب في عوده من الحجّ ، فأتاه أعيان الركب وصاروا في خدمته حتى صعد قلعة الجبل يوم الثلاثاء العشرين من المحرّم سنة تسعين وستّمائة . فأكرمه السلطان وفوّض إليه الوزارة في يوم الخميس ثاني عشرينه وخلع عليه ، ورسم لبيدرا نائب السلطنة وسنجر الشجاعيّ وجميع الأمراء وسائر أرباب الدولة من القضاة ونحوهم أن يجوّدوا في خدمته « 2 » ، وحمل بغدي الدوادار الدواة قدّامه . وجلس في دست عظيم لم يعهد لوزير مثله ، ومكّنه من الدولة تمكّنا لم ينله وزير من وزراء الدولة التركيّة قبله . وجرّد في خدمته جماعة من المماليك السلطانيّة يركبون قدّامه في الموكب ويترجّلون في ركابه ويقفون بين يديه وينصرفون بأمره . فصار إذا ركب من داره بحارة زويلة من القاهرة إلى القلعة لا يخرج حتى يجتمع ببابه نظّار الدولة « 3 » ومشدّ الدواوين ، ووالي القاهرة ، ووالي مصر ، ومستوفي الدولة ، ونظّار الجهات ، ومشدوّ المعاملات ، والأعيان . ثمّ يحضر آخر الناس قضاة القضاة الأربعة بأتباعهم . فإذا تكامل جميع الموكب بالباب ، ويكون آخرهم مجيئا القضاة ، دخل الحجّاب إلى الوزير وعرّفوه حضور القضاة الأربعة ، فيخرج عند ذلك ، ويسير راكبا ، والخلائق بين يديه على طبقاتهم ، وأقربهم إليه قاضي القضاة الشافعي ، وقاضي القضاة المالكيّ ، ويكون أمامه أمامهما قاضي القضاة الحنفيّ ، وقاضي القضاة الحنبليّ ، ثمّ نظّار الدولة والأعيان ، والمستوفون بالدولة ، ونظّار الجهات . فيستمرّ القضاة معه كذلك حتى يستقرّ في مجلسه من القلعة ، ثم ينصرفون إلى منازلهم ، ويعودون عشيّة النهار إلى القلعة حتّى ينزل وهم بين يديه إلى داره . وتأخّر ليلة بالقلعة إلى قرب العشاء الآخرة وأغلق باب القلعة ، فانقلب الموكب من باب القلعة إلى باب الإصطبل ووقف الجميع إلى أن خرج وركب ، فساروا في خدمته بين يديه إلى داره على عادته ، ولم يحل بذلك قطّ في سائر أيّامه . وكان لا ينتصب لأحد قائما ، ثمّ لمّا عظم موكبه - فإنّ مباشري الدولة من الكتّاب والمشدّين كانوا حينئذ عددا كثيرا - صاروا يزدحمون في شوارع القاهرة وتضيق بهم لكثرتهم ، وتزدحمهم غلمانهم . فانتقل من القاهرة لهذا السبب ، وسكن القرافة . فاحتاج الناس إلى الركوب من القاهرة إلى القرافة حتّى يقفوا ببابه ليركبوا معه إلى القلعة فتعاظم تعاظما مفرطا ، واستخفّ بالناس ، وتعدّى طور الوزير بحيث كان [ 92 ب ] أكابر الأمراء إذا دخلوا مجلسه لا يستكمل القيام لأحد منهم ، وفيهم من لا يلتفت إليه ، ويستدعي أمير جندار والأستادار على كبر مناصبهما ، ولا يخاطب واحدا منهما بلقبه بل يقول : فلان أمير جندار ! وفلان أستادار ! ثم ترفّع عن هذه الرتبة واستخفّ بالأمير بدر
--> ( 1 ) في الوافي : وكان أشقر سمينا أبيض . . . وانظر السلوك 1 / 760 . ( 2 ) في السلوك 1 / 761 : ويمتثلون أمره . ( 3 ) في المخطوط : نظار النظار ، والإصلاح من السلوك 1 / 761 .